أكثر من مجرد محاكمات: دروس من البوسنة وما بعدها – الجزء الأول

أجرت منصة ليفنت 24 هذه المقابلة المطوّلة مع نيرما يلاجيتش (مديرة العلاقات الخارجية و التطوير الاستراتيجي) بتاريخ 25 حزيران 2026، وتناولت خلالها مسار العدالة الانتقالية في سوريا، والأهمية التاريخية لأولى المحاكمات العلنية التي تشهدها سوريا بعد عقود من الإفلات من العقاب في عهد الأسد.

أكثر من مجرد محاكمات: دروس من البوسنة وما بعدها – الجزء الأول

في الجزء الأول من مقابلة ليفانت24 مع نيرما يلاجيتش حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، تتناول الخبيرة الدولية في مجال المساءلة الأهمية التاريخية لأولى المحاكمات العلنية في سوريا، بعد عقود من الإفلات من العقاب في عهد الأسد. واستنادًا إلى خبرة تزيد على عشرين عامًا في التحقيق في جرائم الحرب والعدالة الدولية والتعافي في مرحلة ما بعد النزاعات، تتأمل يلاجيتش في التحديات التي تواجه سوريا اليوم وهي تسعى إلى إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، بالتوازي مع الاستجابة لمطالب الضحايا والناجين.

تشرف نيرما يلاجيتش على العلاقات الخارجية والتطوير الاستراتيجي في لجنة العدالة والمساءلة الدولية، وقد عملت على نطاق واسع في قضايا العدالة الانتقالية في سوريا واليمن والعراق ومصر وأوغندا ومنطقة البلقان. وفي هذا الجزء الأول من المقابلة، تشرح لماذا لا يمكن للمحاكمات الجنائية وحدها أن تعالج المجتمعات التي مزقتها الحروب والقمع، وما الدروس التي ينبغي لسوريا أن تستخلصها من تجربتَي البوسنة ورواندا وهي ترسم مسارها الخاص نحو المستقبل.

ليفانت24: ما الذي يجعل المحاكمات العلنية الجارية حاليًا في سوريا مهمة، بعد عقود من الإفلات من العقاب في ظل نظام الأسد؟

نيرما يلاجيتش: ارتكب نظام الأسد على مدى عقود جرائم بشعة بحق الشعب السوري، ولا نتحدث فقط عن الجرائم التي ارتُكبت منذ اندلاع الثورة عام 2011، بل عما قبل ذلك أيضًا. لذلك، فإن انطلاق أولى المحاكمات يمثل خطوة مهمة بالنسبة لسوريا.

لقد سررت كثيرًا لرؤية أجهزة إنفاذ القانون والسلطات السورية قادرة على فتح قضية بهذا الحجم ضد شخصية رفيعة المستوى في النظام السابق، بعد نحو عام وشهرين من سقوط الأسد. ويتطلب إعداد مثل هذه القضايا جهدًا كبيرًا، ولذلك أدرك أن كثيرًا من السوريين والمنظمات كانوا ينتظرون معرفة ما سيحدث في جلسات المحاكمة مع انطلاقها، وينتظرون صدور الحكم. وستتكشف كل التفاصيل تدريجيًا مع تقدم سير المحاكمات، لكن مجرد انطلاقها دون وقوع حوادث، وبطريقة سلسة، أمر يستحق الترحيب في حد ذاته.

ليفانت24: لماذا لا تكفي المحاكمات وحدها لتحقيق العدالة الانتقالية، وما الذي ينبغي لسوريا أن تضيفه لصالح الضحايا وعائلاتهم؟

نيرما يلاجيتش: المحاكمات، في أي بلد خرج من نزاع مسلح، وفي أي دولة حُكمت بمنطق القوة بدلًا من سيادة القانون كما الحال في سوريا، لا يمكنها وحدها أن تحقق العدالة للشعب.

أنا في الأصل من البوسنة، وقد بدأت العمل على قضايا جرائم الحرب التي ارتُكبت في بلدي خلال تسعينيات القرن الماضي. ولم تشهد أي حرب في التاريخ الحديث محاكمة عدد أكثر من الأفراد كما شهدت الحرب في البوسنة، سواء أمام محكمة لاهاي والمحاكم الدولية، أو أمام المحاكم الوطنية في مختلف أنحاء أوروبا، أو أمام المحاكم البوسنية نفسها.

رغم الحكم على مئات الأشخاص، لم يكن ذلك كافيًا لإعادة توحيد الناس؛ فالبوسنة، كسوريا، نسيجٌ بشريّ معقّد، غنيّ، وجميل في تنوّعه، لا يقتصر على الأديان بل يشمل الثقافات و مختلف أشكال المعتقدات الأخرى. ولذلك، لا يمكن للمحاكمات وحدها أن تجعل الناس يجلسون معًا من جديد ويعيدوا بناء الثقة المتبادلة بينهم.

كما أن المحاكمات وحدها لا تسير بالسرعة التي يحتاجها الناس لاسترداد ما سُلب منهم، أو لمعالجة الأذى الذي لحق بهم. لذا لا بد من مسارات أخرى توازي المحاكمات، وفي مقدمتها: كشف الحقيقة، وإرساء سجل تاريخي يعترف بجميع الجرائم وأعمال القمع التي جرت. نحن كذالك بحاجة إلى تعويضات تُقدَّم لمن عانوا، وإلى استرداد الحقوق التي فُقدت أو سُلبت بغير وجه قانوني. والأهم من ذلك كله: أن يستعيد الناس ثقتهم بمؤسسات الدولة.

لقد كان في سوريا نظامُ حكمٍ استبداديٌّ بسط سيطرته على البلاد بقبضةٍ حديدية، وقد تجلّى ذلك بوضوح في أنشطة قوات الأمن والاستخبارات، وفي ما ارتكبته من أعمال تعذيب وقتل بحق الشعب السوري.

والمهم الآن هو إعادة بناء مؤسسات الدولة على نحو يتيح لها استعادة ثقة الناس، و ستظل هناك دومًا عقبات على هذا الطريق؛ إذ لا توجد دولة يمكنها ببساطة أن تفتح كتابًا وتقول: هذه هي الطريقة التي يُعاد بها بناء البلد بعد انتهاء الحرب. فكل بلد يحتاج إلى إيجاد مساره الخاص، مستفيدًا من تجارب الآخرين ومكيّفًا إياها بما يناسب واقعه.

ومن الإيجابي أن نرى - وأنا أتابع عن كثب عمل المؤسسات السورية المختلفة - أن هيئة العدالة الانتقالية تزور مناطق خارج دمشق وفي مختلف المحافظات، ولا سيما المناطق التي تأثرت بجرائم وانتهاكات متعددة، وتتحدث إلى الاهالي عن برامج علمها. ومن الجيد أيضًا أن نرى وزارة العدل تخطو خطوات مماثلة، وتؤسس لهذا النوع من التواصل.

ونحن بحاجة إلى رؤية المزيد من هذه الجهود، لأن بناء الثقة لا يحدث بين عشية وضحاها. لكنني أعتقد أن الشعب السوري والسلطات السورية قد اتخذا خطوات أولى جيدة جدًا. وأود أن أشير إلى أن ذلك يحدث رغم وجود عقبة كبيرة تتمثل في عدم توفر المساعدة الكافية لتمكين هذه المؤسسات من أداء عملها.

وقد دافعت منظمتنا، لجنة العدالة والمساءلة الدولية، طوال العام الماضي عن ضرورة الانتقال من قيام المنظمات غير الحكومية بهذا الدور المتمثل في بناء مؤسسات وهيئات العدالة الانتقالية و مواردها و قدراتها، إلى تعزيز وزارتَي العدل والداخلية لتمكينهما من الاضطلاع بهذا الدور.

وبالطبع يمكننا تقديم الدعم والخبرة، بل ويمكننا أيضًا توفير المواد التي جُمعت على مدى سنوات حكم النظام. لكن الوقت حان الآن لتوجيه الدعم والجهود نحو تعزيز هذه المؤسسات، حتى تتمكن من أداء عملها على النحو الصحيح.

ليفانت24: ما الدروس التي ينبغي لسوريا أن تستخلصها من تجربتَي البوسنة ورواندا وغيرهما من تجارب العدالة الانتقالية السابقة، وما الأخطاء التي ينبغي أن تتجنبها؟

نيرما يلاجيتش: أعتقد أن الخطأ الأول والأكبر الذي ينبغي تجنبه هو الاعتماد المفرط على العدالة الجنائية وحدها، وهذا ما فعلناه، كما ذكرت سابقًا، في منطقة البلقان وفي البوسنة. وبعد فترة، جاءت النتيجة عكسية، لأننا لم نكن نملك إجراءات أخرى مكمّلة، ولا نظريات أخرى من نظريات العدالة الانتقالية.

لقد حققنا نجاحًا كبيرًا في البحث عن المفقودين وتحديد هوية من فُقدوا وقُتلوا خلال حرب البوسنة، بمساعدة اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، وهي مؤسسة أعتقد أنها شاركت أيضًا بدرجة كبيرة في العمل في سوريا وما زالت منخرطة فيه. وهذه أمثلة جيدة جدًا.  

كما قدّمنا إلى المحاكمة أبرز مهندسي الحرب، حتى لو استغرق ذلك 16 عامًا من الملاحقة. و في البوسنة كذالك، فرّ بعض مرتكبي الجرائم إلى روسيا، واختبأ بعضهم الآخر عبر الحدود، وكان الناس يقولون ستتخلون عن الأمر و لن يتم إعتقالهم أبداً، لكنهم اعتُقلوا في النهاية؛ فقد جاء الوقت الذي إعتقلوا فيه أو سُلموا، حين لم تعد هناك حاجة إليهم.

وبهذا المعنى، ينبغي للسوريين ألا يفقدوا الأمل، رغم علمنا بأن بشار الأسد لا يزال في روسيا. أهم شيء في هذه المرحلة هو إعداد كل ما يلزم لمحاكمته إذا أصبح ذلك ممكنًا، أو عندما يصبح ممكنًا. ومع ذلك، لا بد من الاستعداد ووضع استراتيجية للادعاء العام، تحدد هوية الأشخاص المستهدفين وأولويات الملاحقة القضائية.

لكن ينبغي إدراك أن تقديم جميع مرتكبي الجرائم إلى العدالة أمر غير ممكن عمليًا. فسوريا بلد أكبر بكثير من البوسنة، وتشير التقديرات إلى أن شخصًا واحدًا من بين كل 300 شخص ارتكب جريمة خلال الحرب. وسيكون من المستحيل على أي نظام قضائي، حتى في أكثر البلدان تقدمًا ووفرةً في الموارد، أن ينظر في هذا العدد الهائل من القضايا.

 لذلك، نحتاج إلى إيجاد طرق بديلة للتعامل مع هذه القضايا وأعتقد أن هذا أمر يمكن التوافق عليه بين المؤسسات القائمة، مثل لجان العدالة الانتقالية، من خلال الحوار مع المجتمعات المحلية، لمعرفة ما الذي يمكن فعله، وكيف يمكن التعامل مع الجرائم بطرق أخرى.

صحيح أنه يجب تقديم بعض الأشخاص إلى المحاكمة، لكن ما الذي نحتاج إلى فعله أيضًا لإنصاف الضحايا؟ نحتاج إلى العثور على المفقودين؛ فالعائلات بحاجة إلى معرفة مكان دفن أحبائها الذين رحلوا، وأين يمكنها أن تُقدّم العزاء وتحيي ذكراهم.

كما يحتاج الناس إلى استعادة منازلهم وأموالهم وممتلكاتهم الأخرى التي فقدوها وسيحتاج كثيرون منهم إلى الدعم، بما في ذلك الدعم الطبي والنفسي والاجتماعي، وكل هذه الأمور بالغة الأهمية.

لكن في البوسنة، على سبيل المثال، أعتبرت هذه القضايا ثانويةً أو أُرجئت معالجتها. فقد أُجريت محاكمات بشأن الجرائم التي ارتُكبت بحق نساء أثناء احتجازهن، وكنَّ هؤلاء النساء شجاعات بما فيه الكفاية للإدلاء بشهاداتهن. ومع ذلك، ظللن طوال عقد كامل، بل وأكثر من ذلك، بعد انتهاء الحرب، عاجزات حتى عن الحصول على الرعاية اللازمة أو المال الكافي لشراء الأدوية التي تساعدهن على التعافي من معاناتهن. ولذلك، لا بد من توفير العدالة والرعاية معًا في أي بلد يبدأ في التعامل الفعلي مع ماضيه.

Next
Next

بلاغ بشأن الادّعاءات التشهيرية المتداولة حول سيجا